حياة

أم خمسينية في عشر دقائق

لم يكن في بالي وأنا أدخل قاعة الإجتماعات الساعة الثامنة مساءً أجرُّ إعياء النهار بين جنبي و أواسي نفسي باقتراب الويكند، لم يكن في بالي أني ساتلقى نصيحة من أعمق وأصدق النصائح التي تلقيتها في حياتي. أنا التي لا تحب النصائح و توصد بابها بسرعة في وجه معطيها لاقتناعي التام بأننا مثقلون بما يكفي من القواعد الواجب اتباعها في هذه الحياة و متشبعون بما يكفي من تجارب الآخرين التي زاحمت مساحتنا الخاصة من التجربة والخطأ التي خلقنا الله لنعيشها. لكن تلك السيدة الخمسينية – وقد عرفت بنفسها كسيدة خمسينية صرحت بعمرها الدقيق مباشرة مما جذبني إليها جدًا في باديء الأمر – قد سلبت انتباهي وتركيزي الحقيقي “بدون تسليك” وهو نادرًا مايحدث عندما اتحدث مع غرباء للمرة الأولى. كنت قد أجلت هذا الاجتماع ليومين بسبب تعب طفلي وتنويمه في المستشفى. دخلت قاعة الاجتماعات كأول الحضور فإذا بها تدخل بعدي بدقائق. تعارفنا بما أنه اللقاء الأول وجهاً لوجه، ثم سألتني بعفوية عن صحة طفلي. أخبرتها أنه بخير الآن الحمد لله، وأن قلقي بدأ يهدأ. خمّنت أنه طفلي الأول وأجبتها بنعم. قالت: يانورة ستمرين بالكثير من هذا التعب ، أنا أم لخمسة كانوا أطفالاً يوماً ما، الآن أتمنى لو يعود الزمن للوراء وأربيهم من جديد بما لدي من خبرة. استمتعي يانورة قدر استطاعتك بأطفالك، لم استمتع بالخمسة كلهم تخيلي! انجبتهم تباعاً وكنت مشغولة بعملي وضغوطات الحياة و كان صغاري مصب تفريغ الغضب و الضغط في حياتي. أنا نادمة الآن لأني أتذكر و بوضوح شديد اللحظات التي وبختهم فيها و ضربتهم، يؤلمني قلبي كلما تذكرت تلك اللحظات وهم بعيدون عني الآن. صوري طفلك كثيرًا واحتفظي بلحظاته البسيطة في تلك الصور لأن قيمتها ستكون عظيمة يوماً ما. تخيلي ، في صحوة دينية انتابتني مزقت و أحرقت كل صور أطفالي كما فعل أغلب الناس أيام الصحوة ، أنا نادمة جدًا واشتاق لهذه الصور التي هي نافذتي الوحيدة لتلك الأيام. لا تفرغي غضبك في طفلك مهما كان السبب لأن تلك اللحظات ستلاحقك دائمًا. استمتعي بكل الرحلة حتى بالتعب ، حتى بالمشاكل، استمتعي بالنعمة التي بين يديك فسيمضي العمر و يمضون هم أيضًا محملين بذكرياتهم معك و أفراحهم و آلامهم منك.

دخل أحدهم للقاعة فتوقف الحديث فجأة، توالى حضور الجميع وبدأ الإجتماع وحديث العمل بشكل سريع وذهني لازال هناك عالقاً في حديثنا الذي بدأ بشكل عفوي ولم يتم. السيدة الخمسينية البسيطة، التي لاتوحي هيئتها بما تحمله روحها من تعب و ما يحمله عقلها من فكر و ثقافة، التي دخلت القاعة قبل ١٠ دقائق و فتحت معي حوارًا مليئًا بالاعترافات و في غاية العمق و كأنها تعرفني من سنين، تتحدث الآن عن الفن و الأدب و تناقش سير العمل وكأن الأم بداخلها لم تظهر للتو ! 

قالت هذه الأم كلامًا سمعت بعضه من بعض الأمهات لكن ما ادخله لقلبي بهذه السرعة و أكسبه هذا القبول أسلوبها العفوي والصادق في الحديث المنساب دون حذر، في الإعترافات المتوالية التي أكسبتها احترامي في هذه العشر دقائق، فما أسهل الكبرياء وتعليق الأخطاء على الظروف و الحياة، لكن أن تقف في وجه الحقيقة و تقول نعم أنا أخطأت فأنا حقًا أُثمن نصيحتها بل و أعلقها في قلبي باحترام بالغ.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s