حياة

الإيجابية .. شيء حقيقي ولا كلام فاضي ؟

لن أقول أكثر العبارات استفزازاً للمسامع والأعين : كن إيجابياً. ولن أضع لكم صورة تصميم عليها عبارة : صباح التفاؤل والطاقة الإيجابية.

لن استفز روتين الحياة في كل منا لأني أعلم معنى أن تكون الأيام رمادية بعض الشيء أحياناً و لا يزيدها هذا الكلام إلا حنقاً. لكني على يقين أن بداخلي الكثير من الرغبة وبداخلك الكثير منها أيضاً للشعور بشيء من الإيجابية حيال الأشياء، الأشخاص، المواقف، اللحظات العصيبة، و النتائج الغير متوقعة. هل يعني هذا أن بإمكاني و امكانك أن نقول للإيجابية كوني فتكون لمجرد رغبتنا بها؟ الحقيقة أنها من أصعب الصفات التي يمكن للمرء أن يروض نفسه عليها. مابالك إن كان هذا الشخص يعيش في مجتمع كمجتمعنا مليء بالعقبات الجاهزة في كل منعطف. مع ذلك لازالت الرغبة القوية أكبر محفز للمحاولة. الشعور الإيجابي له طعمٌ جميل في نهاية المطاف إذا ما تمرست عليه. طعمٌ لا يأتي في البداية، انتصارٌ لذيذ ونجاح بطيء. يشبه ذلك الشعور الذي ينهال في آخر المطاف على ممارسي الرياضة بانتظام. عدا أن الرياضة لها خطة واضحة وخطوات صريحة، تعمل بها تنجح تتركها تخفق، لكن الإيجابية معقدة، إنها أكبر من هذه البساطة بكثير، تنطوي عليها أحاسيس نفسية وصراعات داخلية وشكوك حول جدواها وتأثيرها على المزاج. لذلك التعامل معها صعب و تجنبها غالباً هو الهروب الأسهل.

قررت بيني وبين نفسي أن الإيجابية حتماً ليست في العبارات الرنانة عنها وليست في صباحات التفاؤل وأكواب القهوة الساخنة، وليست عطاءً من أي أحد. لن تنجح مالم تبدأ من داخلك أنت، ثم تتشاركها لاحقاً مع الإيجابيين من حولك لتعززها.

توصلت مبدئياً لعدة أوجه للإيجابية على سبيل الذكر لا الحصر و شعرت فعلاً أنها صنعت فارقاً بمرور الوقت :

  • الثناء .. وستفاجأ حين ترى أثر ثناءك على تفاصيل صغيرة في الآخرين، ستتفاجأ بالأثر والشعور الجميل الذي يصلك أنت قبل أن يصل المثني عليه. بإمكانك أن تجعل من كل شيء بسيط سبباً لقول كلمة حلوة، ولا أعني هنا المبالغة والكذب والنفاق، أقصد تلك الثواني التي تخاطب فيها نفسك وأنت ترى الشيء الذي أعجبك في الشخص الذي أمامك. حوّل حديثك لنفسك لحديثٍ مسموع وأسعد هذا الشخص. فقط هذا كل ماتحتاج أن تفعله أن ترفع صوت الحوار .
7adb881a7b3326af78737240b9333908
  • الكلمة الحلوة .. تجرأ على لفظ الكلمات الحلوة دائماً. ومرة أخرى لا أقصد الاستهلاك الرخيص لكل من تقابله، أقصد الذين تحبهم حقاً وتكن لهم مشاعر كبيرة ويعنون لك شيئاً هائلاً في حياتك، لماذا لا يسمعون كل هذا الضجيج في قلبك ؟ مافائدته محبوساً مالم يخرج بين الحين والآخر على شكل كلمة، ولا أجمل من الكلمة المفخخة بالشعور .. ولا أسوء من كتمانها بسبب “حياء وخجل” لا جمال فيه !
  • اللسان الشكور .. يعتقد البعض أنهم حين يشكرون شخصاً بشكل عميق يُظهر بالغ الامتنان فهم يوصلون رسالة مفادها أنهم ” متشفقون ” لما تم إعطائهم إياه أو لم يتذقوا مثل هذا العطاء من قبل أو فرحون بشكل مثير للشفقة. وهذه الفئة غالباً تتسم بقلة الذوق وعدم الثقة بالنفس. رغم أنهم قد يكونون عاطفيين وحساسين جداً من الداخل. الموضوع لا علاقة له بكمية المشاعر التي يكنها هؤلاء تجاه الشخص أو مقدار سعادتهم بما قُدم لهم أو قيل لهم . إنها مسألة ذوقية بحتة. كلما زاد ذوق الإنسان وثقته بنفسه كلما زاد شكره للآخرين على أبسط الأشياء التي يقدمونها أو يقولونها. علماً أن الكبرياء مظلوم هنا و جُعل شماعة لهذا التصرف منذ الأزل لكني لا أُعرّف الكبرياء الحقيقي بهذا التعريف، فالكبرياء جميل أحياناً وسامٍ في بعض المواضع، وهو بريء من هذا التصرف الذي لا يُفسر إلا بقلة الذوق التي تزول بالتربية والتدريب. ومن لا يشكر الناس لايشكر الله .
8073075c2c4cc09b46979fd0f5ed9339
  • مابعد التذمر .. ماذا فعلت؟ كلنا نتذمر. حقيقةً … أحياناً أشعر أني أحتاج لجلسة تذمر من وقت لآخر حتى أشعر بشعور أفضل، أعترف بذلك. أفعلها من حين لآخر فانفلت و أتذمر من كل ما يضايقني في بيئة عملي أو في المجتمع أو مع أشخاص معينين. أشعر بشعورٍ لذيذ مباشرةً بعد الإنتهاء لكنه سرعان مايزول و أُصدم بالواقع السيء الذي تذمرت منه…. لامفر. ناهيك عن السلبية التي نقلتها من داخلي للأشخاص الذين تذمرت أمامهم. مشكلة التذمر أنه يشبه التدخين، حتى وإن لم تكن مدخناً لكنك تجلس كل يوم مع شخص مدخن فأنت تدخن معه بشكل سلبي وتتأثر صحتك تبعاً لذلك. فحتى لو كنت شخصاً مسالماً قنوعاً متفائلاً لا يعطي المواضيع أكبر من حجمها لكنك تحتك يومياً بأشخاص متذمرين على الدوام فأنت ستتأثر سلباً بأجوائهم وبشكل كبير قد يعكر مزاجك ويفسد يومك دون أن يكون لك ذنب في الموضوع. لذلك أمسك العصى من المنتصف إن أردت الخلاص من هذا الموضوع نهائياً. إن كنت قد قررت أنك لن تتذمر فيجب أيضاً ألا تسمح للمتذمر أن يفسد يومك. خصوصاً في بيئات العمل حيث نحتك يوماً بزملاء العمل وبالتأكيد لاتخلو بيئة عمل من سلبيات تدعو للتذمر. لكن أن يتذمر أمامك زميلك على كل صغيرة وكبيرة وهو لايحرك ساكناً في محاولة منه لتحسين الوضع فهذا تعدي على أبسط حقوقك في السلام الداخلي أثناء ساعات عملك. صارحه بأنك تعرف كل هذه المشاكل و لا داعي لتكرار ذكرها يومياً على مسمعك خصوصاً إذا لم تكن صاحب قرار يساعد في حلها. إلى هنا بداية موفقة. وإن أردت مرحلة متقدمة من الإيجابية في هذا الموضوع فاقلب تذمرك لصراحة. بمعنى، قبل أن يغلبك لسانك لينطلق بالتذمر أجر حواراً داخلياً سريعاً بينك وبين نفسك: هل أستطيع فعل شيء حيال ذلك ؟ إذا كان الجواب نعم فماذا تنتظر ؟ . إذا كان الجواب لا فسأل نفسك: هل بإمكاني التأثير إيجابياً على شخص يستطيع فعل شيء لحل المشكلة؟ إذا كان الجواب نعم فماذا تنتظر ؟ إذا كان الجواب لا فليس أمامك سوى أن تروض نفسك لتتقبل الواقع وتركز على الجوانب الجيدة في الموضوع. أما بخصوص المتذمر في وجهك، فالمرحلة المتقدمة معه ( مرحلة مابعد منعه من التذمر أمامك ) هي مرحلة مصارحته بأنه لايفعل شيئاً حيال الموضوع وفي بعض الأحيان ستصدمه بحقيقة أنه جزء من المشكلة وهو لايرى ذلك. كمن يتذمر من الشللية وسوء العلاقات بين زملاء العمل وهو مستمر في نفس الوقت بنقل الكلام والنميمة من زميل لآخر ! ببساطة يجب أن يعرف أنه يتذمر من نفسه في نهاية المطاف. والشيء نفسه ينطبق على المتذمرين من الأوساط الاجتماعية في عوائلهم دون أن يدركوا أنهم جزء من التقصير وجزء من المشكلة. أحتاج و تحتاج أحياناً لأن ننظر للموضوع ولو لمرة واحدة من زاوية : ماذا ينتظر الآخر منا أو ماذا تنتظر المشكلة منا وليس ماذا ننتظر نحن . الأخذ دائماً دون عطاء صفة البخيل .
  • قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا .. الناس هنا يقدسون العين ويخافون منها أكثر من خوفهم من الله أحياناً، وكأنه تعالى لم يطمئن القلوب التي تتوكل عليه حق التوكل. يخفون الأخبار المفرحة في حياتهم خوفاً من العين، يخفون كل ماهو جميل وقد يؤثر إيجابياً في ذوق من حولهم أو في حياتهم خوفاً من العين. بل و يصلون لما هو أسوء من ذلك لحماية أنفسهم من العين فيبالغون في التذمر من سلبيات قد تكون بسيطة لكن تضخيمها أمام الآخرين يريحهم نفسياً حتى يبُعدوا كل من يفكر أن يضرهم وحتى يرسخوا لدى السامع أو الرائي أنهم مساكين وأن حياتهم بائسة ولا يستحقون أن يحسدهم المرء على شيء (بافتراض أن المرء الفقير إلى ربه سيحسدهم أصلاً). يضحكني جداً تفاقم هذا الموضوع مع الوقت حتى تشعب ووصل لإخفاء تفاصيل سخيفة مضحكة لا يُحسد عليها أحد. لماذا كل هذا التعتيم ولماذا كل هذه السلبية ثم تأتون اعزائي معشر الخائفين من العين وتندبون حظكم و تقلبون كل شيءٍ جميل ترونه في العالم الخارجي إلى نكتة مفادها : الأجانب مستانسين، حياة الأجانب تفتح النفس، لهم الدنيا ولنا الجنة. لا يا عزيزتي لم يذكر الله أن من استأنس في دنياه بما لا يغضبه حُرم من الجنة. هذه أسخف شماعة تعلقين تعلق عليها فشلك في الحصول على بعض السكينة والسعادة في حياتك. لستِ محور الكون و لا أحد يهتم بقطعة الأثاث الجديدة التي اشتريتها أو بسفرتك أو بضحكة طفلك. لا أحد ينتظر أن يراك سعيدة لينقض عليك بعينيه لأنه إن لم يكن يملك ما تملكين فإنه يرى ما لديك في كل مكان وعند كثيرين غيرك ولست مميزة بشيء لا يملكه غيرك من البشر، فالأغنياء كثر والكل يرى مالديهم، الأمهات كثر و لست الوحيدة التي أنجبت طفلاً، السماء لاتخلوا من الطائرات والناس يملؤن الفنادق ولستِ الوحيدة التي سافرت. لا أحد سيخترق حاجز توكلك على الله ( والذي لا تثقين بصلابته من البداية وإلا لما وصلتِ لما وصلتِ إليه من خوف من الناس). أنا هنا لا أدعو لمشاركة تفاصيل الحياة أو الانفتاح تماماً على الآخرين. فهذه رغبة شخصية بحتة كلٌ له الحق في مشاركة مايريد لمن يريد، لكن يضحكني و يبكيني أن تكون العين سبباً لتخفيك عن العالم وكأنك لا شيء ! الأسوء من ذلك أن تمتد بك الوساوس فتبثها على من حولك وتقنعهم بعدم فعل هذا وعدم قول هذا حتى لا يُصابوا بالعين. وكأن نفسك وحياتك لا تكفيك فتبدأ بالعمل سلطاناً على حياة الآخرين .
  • احتفظ بها لنفسك .. تنبؤاتك السلبية وظنونك السيئة حول أمور معينة في حياتي، مالم تكن متأكداً منها ولديك دلائل عملية على أن الأمور تتجه للأسوأ فاحتفظ بها لنفسك. لماذا تبثها في صدري دون فائدة؟ لماذا تزج بي في دوامة الإحباط والسلبية والتوتر والترقب و تنصرف ببرود بعد أن فعلت فعلتك التي لا تستند على شيء مؤكد. مجرد ظنون ! “هذا الدولاب الذي اشتريتيه اختيار فاشل وسينكسر خلال سنة من الإستعمال، لو كنت مكانك لاشتريت كذا وكذا” .. “خادمتك ستهرب وسترين!” .. “زوجك مشغول بشيء لا يعجبك، أعرف جيداً هذه النوعية من الرجال” .. ” هذا الفستان سيظهر جسمك في أسوأ حالاته ” وهي لم ترى الفستان عليك بعد ! . أحاول أن أذكر نفسي دائماً بعدم التعليق في حال كان لدي تنبوء سلبي مالم يكن تنبؤي مبنياً على بوادر رأيتها تمهد لذلك أو شيء مؤكد. أُذكر نفسي بكمية السلبية التي سيتلقاها مني الشخص الآخر و التي ستؤثر فيه وقد لايحدث أي شيء من هذه التنبؤات بعد كل هذا التعب النفسي والشعور السلبي، فلماذا نستعجل السوء قبل حصوله ؟

هذه بعض المسارات التي توصلت إليها حتى اللحظة والتي أذكر نفسي باستمرار بممارستها مبدئياً لتحقيق إيجابية (حقيقية) وحياة أفضل . لا أجمل من أن تملك زمام الأمور في داخلك وتصنع سكينتك وسلامك الداخلي خطوة خطوة. الشعور لذيذٌ فاسعوا إليه وإن صَعُب الطريق.

One thought on “الإيجابية .. شيء حقيقي ولا كلام فاضي ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s