قرأت

قراءة في رواية “عداء الطائرة الورقية”

أنتهيت للتو من قراءة رواية ” عداء الطائرة الورقية” للكاتب الأفغاني الأمريكي خالد حسيني. يمكنني أن اختزل شعوري بكلمة يندر أن ألصقها بشيء: عظيمة ! المفارقة أني شاهدت الفيلم الأمريكي الذي صدر عن الرواية في عام ٢٠٠٧ منذ سنوات وقبل أن أقرأ الرواية بوقت طويل جداً إلا أني وأنا أقرأ حاولت استرجاع بعض لقطات الفيلم أثناء انسجامي مع بعض الأحداث الحاسمة فلم استطع أن استرجع لقطة واحدة ! بينما لازالت بعض الكلمات من الفصول الأولى للرواية ترن في رأسي حتى اللحظة.

تدور أحداث الرواية في افغانستان وتحديداً في مدينة كابول حيث يعيش أمير وصديقه حسن حياة جميلة تقوم كلها على التفاصيل الصغيرة واللذات الكبيرة التي تولدها تلك التفاصيل. قبل أن أقرأ الوراية، أعترف أني لا أعرف من أفغانستان إلا ما تفوه به مذيعو قناة الجزيرة وضيوفهم ابان الحرب الأمريكية على نظام طالبان عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. في ذلك الوقت عرفت مدينةً أسمها كابل وأخرى أسمها قندهار. بمجرد ذكر افغانستان أو كابل اتخيل صورة من صور الدمار التي نشاهدها في الأخبار. بيوت مهدمة. أطفال افغانيون برؤوس حليقة، أنوف قذرة متدفقة، وجوهه متسخة بأكثر من لون وتحت تأثير أكثر من سبب، عيون صغيرة خضراء مستظلة بحاجبين مقطبين، تحدق بالكاميرا في نظرة غضب على العالم أجمع، نساء بنقابات ملونة في أعلاها فتحة مستطيلة يفترض أنها للعينين إلا أنها مرقعة بقماش مخرم بمربعات صغيرة جداً تشبه البكسلات لايكاد يُرى من خلالها شيء. رجال أفغان بلحى تغطي صدورهم يحملون بنادق كلاشينكوف على اكتافهم ويرتدون الزي الأفغاني. هذه افغانستان التي رأيت. حين يكون مصدرك للتلقي هو السياسة فأعلم أنك سترى الشيء بأبشع صوره.

في عداء الطائرة الورقية رأيت افغانستان الطيبة، أفغانستان الحقيقة. مشيت في طرقات أجمل أحياء كابل حي وزير أكبر خان ، حيث البيوت الأفغانية المنمقة بطرازها المستوحى من فنون إيران. ابتهجت بأزهار الربيع المتفتحة على مداخل البيوت وحول الأبواب وعلى جانبي العتبات. سمعت صوت الماء في خلفية البيت يسقي نبات الذرة. راقبت خطوط الشمس المنطبعة على جدار غرفة أمير في لحظات الغروب الأولى. اقتسمت الرمان الأحمر الناقع مع حسن وأمير تحت ظل الشجرة البارد. شممت رائحة النان و ساندويتشات الكباب الزكية وكان البولاني الأفغاني يذوب في فمي مع كل قضمة. رقصت على الأغاني الأفغانية مع سيدات كابول وبكيت معهن والطالبان يجلدهن لينزعن الخلاخل عن اقدامهن الحافية المتشققة كجدران بيوت كابل بعد أن حدث ماحدث. تساقطت على يدي ندفات الثلج الأولى معلنةً بدء الشتاء في كابل، موسم أطفال كابل المفضل. عديت معهم فوق التلال وتحت الأشجار وأنا الهث ودقات قلبي تتسارع وجسدي يفحم سعياً خلف طائرة ورقية مخذولةٍ تتهاوى من السماء. تذوقت طعم الملوحة في دموع سهراب الصغير وأنا أضمه إلي غير عابئة بقذارة لباسه ورائحة جسده النتنة وأحسست بالطفولة المغتصبة وهي ترجف بين جنبيه، مثل عصفور جريح خائف من ضربة الموت الأخيرة متمسك بالرمق الباقي للحياة.

لا تأخذك الرواية لأفغانستان التي تظن أنك تعرفها إلا حين تتجاوز منتصفها ، تكون حينها قد وقعت على قلبك وأحببت افغانستان التي تسمع بها للمرة الأولى وانتميت لها بكل جوارحك. تكون حينها في صف الطفولة المسلوبة والإنسانية المفقودة والمشاعر المتضاربة بين وطن تحب ماكان لك فيه وتكره نفسك فيه. تحتار هل تنقم على أمير أم تدع عقدته تأخذ مجراها لأكثر من عشرين عاماً دون أن تلومه على شيء. تختبر إنسانيتك في شعورك تجاه حسن، الطفل “الهزارة” خادم الطفل “البشتون” المدلل. يتجلى لك قبح العنصرية التي تركض عكس الفطرة دائماً وتدمر كل شيء جميل في طريقها.. تماماً كما فعلت مع حسن. حسن الذي تأخذك شخصيته من ياقة خميصك المكوي بعناية وترميك في قاعك. قاعك الذي لاترده إلا نادراً. تبقى حبيس هذا القاع في مواجهات التفاهات التي جعلتك تظن أنك أفضل من الآخرين وتنام كل يوم واثقاً من احتياج العالم لك معززاً لنفسك أفضليتك وفوقيتك المقرفة. يهزك حسن الهاديء، بملامحه الهزارة و ابتسامته الخالية من السنين الأماميين وشفته الأرنبية المنكوبة، بالـ”الشابان” القفطان الذي يرتديه و البكول الذي يضعه على رأسه، بصوته الصغير الخجول المختبيء خلف حنجرته وهو يكرر : من أجلك ألف مرة ومرة ! “

 

يصور خالد حسيني صراع أمير مع عقدة الذنب التي لازمته لأكثر من عشرين عاماً وعلاقته المعقدة بحسن صديق الطفولة. تتجلى تخبطات أمير في علاقته بوالده ورغبته الدائمة في ارضاءة ثم علاقته بالعالم من حوله حين يراه بعيني كاتب . تترابط أمامك الحقائق الانسانية لتضعك في مواجهة نفسك عارياً من كل شيء. تشعر بالدمار الحقيقي الذي تخلفه الحروب بعيداً عن دمار البنيان ودمار المدن. الدمار الحقيقي الذي يتَّم نصف أطفال أفغانستان وترك أفواههم الجائعة مفتوحة  بلا مبالاة عيونهم الخضراء الصغيرة محدقة في اللاشيء حتى اللحظة.

أسلوب الرواية تفصيلي يُدخلك في عمق اللحظة. الوصوف والتعابير الدقيقة المستخدمة تأخذك عقلاً وقلباً وروحاً إلى هناك. سآتي هنا على ذكر بعض الأسطر التي أدهشت مخيلتي :

يتحدث أمير عن فقدانه لحسن أثر خصومتهما :

” لكنه كان موجوداً حتى في غيابه، موجوداً في الملابس المغسولة يدوياً والمكوية على كرسي الخيزران، في الخُف الدافىء الموضوع أمام بابي، في الخشب الذي يحترق في الموقد حين أنزل لتناول الإفطار. كلما استدرت رأيت علامات على إخلاصه اللعين الذي لايلين”.

وهنا يسائل أمير نفسه :

“قبّلتها على خدها وانطلقت عائداً إلى الطريق. وأنا أقود السيارة تساءلتُ عن سبب اختلافي. ربما لأني تربيت على أيدي رجال، لم أكبر مع نساء ولم أتعرض قط بشكل مباشر إلى المعايير المزدوجة التي كان المجتمع الأفغاني يعاملهن بها أحياناً. ربما بسبب بابا الذي طالما كان أباً أفغانياً غير عادي، أباً ليبرالياً عاش وفقاً لقواعده، مستقلاً، يعتنق العادات الاجتماعية أو يتجاهلها بحسب مايراه مناسباً. لكنني أظن أن جزءًا كبيرًا مما جعلني لا أبالي بماضي ثريا أن لي نصيباً من الماضي. كنت أعرف معنى الندم”

وهنا يصف مشهداً من طفولته:

” تذكرته وهو يشرب الشاي مع بابا في مكتبه، ثم يدخنان قرب النافذة، ونسيم معبق برائحة النسرين يهب من الحديقة فيُعرِّج عمودي الدخان التوأمين”.

وهنا يضع مدينته الحبيبة كابل في ميزان المدن الباكستانية فيقول:

” إذا كانت بيشاور المدينة التي ذكرتني بما كانت عليه كابل، فإسلام أباد المدينة التي كان يمكن أن تكون عليها كابل ذات يوم”.

وهنا محاطاً بوحي التساؤل ولحظة التجلي :

“وأنا أغلق باب سهراب، تساءلت إن كان الغفران ينمو على هذا النحو، ليس برؤيا صاخبة، وإنما بالألم وهو يلملم متاعه ويحزم حقائبه ويتسلل راحلاً في منتصف الليل بلا إعلان”.

وهنا كلمات والده التي رسخت إيمانه حتى …

” السرقة هي الخطيئة الوحيدة التي لا يمكن غفرانها. الخطيئة الأكبر بين كل الخطايا. عندما تقتل رجلا، فأنت تسرق حياة، تسرق حق الزوجة بزوج، تسرق أبا من أولاده. عندما تكذب، تسرق حق شخص في الحقيقة.عندما تغش، تسرق حق العدالة. ليس هناك شر كالسرقة.”

وهنا سهراب الطفل، بريئاً كما يفترض أن يكون الطفل، بسيطاً كما يفترض أن تكون الحياة، نقياً لا يشبه أحداً حوله :

“عندما كنت صغيرًا جدًا تسلقت تلك الشجرة وأكلت تلك التفاحات الخضراء الحامضة. انتفخت معدتي وأصبحت قاسية كالطبل، آلمتني كثيرًا. قالت أمي أني لو انتظرت إلى أن نضج التفاح لما مرضت. هكذا الحال الآن، كلما رغبت شيئا بشدة، أحاول تذكر ماقالته أمي عن تلك التفاحات…”

لاأظنني انتهيت من هذه الرواية ولا أظنني سأفعل. إنها من نوع الكتب الذي ترغب لو تتركه مفتوحاً على الطاولة كل يوم . و سواءً اغلقت الكتاب أو تركته مفتوحاً أمامك، سيرافقك صوت حسن دائماً وهو يعدو خلف الطائرة الورقية الأخيرة معطياً أمير ظهره، يصرخ من أقصى حنجرته الصغيرة :

“من أجلك ألف مرةٍ و مرة ! ”  .

صفحة الرواية في Goodreads
صفحة الكاتب في Goodreads
صفحة الفيلم في IMDb

One thought on “قراءة في رواية “عداء الطائرة الورقية”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s