عام

حيٌ منسي ، ميتٌ في الذاكرة

إيلاي سكروقز ، رجل صيانة يعرفه جميع سكان شارع “ويستيريا لين” حيث تدور أحداث المسلسل الأمريكي desperate Housewives، يزور منازلهم بشكلٍ دوري ليصلح ما فسد فيها ، هادىء ، طيب ، لن أقول بأن الجميع كانوا يحبونه ، الحقيقة أنهم لم يكونوا يلاحظونه من الأساس رغم أنه قضى أكثر من عشر سنوات يتردد على منازلهم ويصلحها ، لكنه في كل مرة يأتي لا أحد يأبه به ، لأنه هنا ليؤدي عمله ويرحل ، دون أن يلاحظوا أن وجوده البسيط الكثير ، القليل الدائم ، يحجز له في كل مرةٍ مكاناً أوسع في قلوبهم ، لم يتحدثوا إليه بشكلٍ جدي طوال تلك السنوات العشر ، مجرد تمتماتٍ بسيطة عن الحال ثم يشرعون في شرح العطل الذي يريدون إصلاحه ، يسمع أحاديثهم وشجاراتهم العائلية ومشاكلهم العاطفية والمادية أثناء إنهماكه بهدوء في عمله وانشغالهم بصخبٍ نقاشاتهم وخلافاتهم الحادة ، يعرفهم جيداً ويجهلونه جيداً ، يحبهم كثيراً ويستعملونه كثيراً ، حين ينهي عمله يقول كلمات تعزي صاحب المشكلة إن كان هو المظلوم أو تهديه لحلٍ إن كان في حيرة أو حتى يكتفي بتعابير تعاطفٍ يحملها وجهه ، دون أن يلحظ أياً منهم في تلك اللحظات المشحونة بغضبهم وحزنهم أن هذا الرجل يصلح قلوبهم قبل أن يصلح بيوتهم ! . توفي فجأة في سكتة قلبية أثناء إصلاحه سقف منزل سوزان أحدى سيدات الحي ، مات قبل أن يتعرفوا عليه ، مات قبل أن يشكروه ليس كما يفعلون عادة حين يعطونه أجرته في كل مرة يصلح أعطالهم متبوعةً بـ thanx باردة تخرج من أفواهم لتختفي بسرعة انصرافهم ، لم يشكروه بعد على قلوبهم التي أحتضنها عشر سنوات ، على ابتساماته التي وزعها أمام وجوههم في أضيق أوقاتهم وأتعسها ، لم تشكره “سوزان” على تحمله لغضبها الذي صبته عليه يوم إنفصالها عن زوجها حين طلبت منه تغيير أقفال البيت حتى لا يعود زوجها وهي في قمة إنفعالها العاطفي المجروح ، لم تشكره “لينيت” حين نسيت طفلتها الرضيعة في السيارة ودخلت البيت بيدين محملتين بالمشتريات وهاتف محمول تتحدث فيه مع مسؤلها في العمل فلحقها “إيلاي “بالطفلة التي كانت حمراء من شدة البكاء ! ، لم تشكره “قابرييل” على مساعدتها في التعرف على جاراتها ودمجها في المجتمع وهي القادمة من عالم عرض الأزياء للعيش في الضواحي التي تزدريها ، لم تشكره “بري” حين أعاد إليها كتاب وصفاتها في الطبخ والذي رمته في قمامة المطبخ قبل عامين أثناء شجارها مع زوجها فالتقطه إيلاي واحتفظ به وأعاده لها بعد عامين وكادت تجن من الفرح وهاهي تنشر كتابها الأول في وصفات الأطعمة استناداً على ذلك الدفتر المرمي ! ، رحل بهدوء ، وحينها ، تحدثت قلوبهم ، عرفوا الآن أن شعورهم بالحب نحوه تفجر بعد تراكم غير ملحوظ ، لن أقول أحبوه فهم فعلوا ذلك منذ زمنٍ دون أن يشعروا ، كل مافي الأمر أنهم عرفوا الآن ، متأخرون كثيراً وربما قليلاً .

أجزم أن في حياة كلٍ منا شخصاً يشبه إيلاي ، فقط أريد أن أفتح عيني وذهني جيداً لأنتبه له ، أريد أن أتفقد قلبي بحثاً عن مساحاته التي زرعها دون أن أشعر ، لأشكره ، لأخبره أني أحبه ، في الوقت المناسب .

5 thoughts on “حيٌ منسي ، ميتٌ في الذاكرة

  1. كثيرون هم يانورة الذين يغرقوننا حباً دون أن نعرف، و دون أن نأبَه بهم في مرات كثيرة..
    تذكرت أحد السائقين الذي كان يعمل لي، في عيد ميلادي ال28 أرسل لي تهنئة على جوالي! في الوقت الذي نسينه بعض الصديقات!

    نوّارة
    سعيدة لعودتك للكتابة، يُمتِعني حرفك (L)

    Like

  2. للتو اكتشفت شخص كان يحيط بي منذ وقت طويل
    هو مثل هذا الشخص وجوده مهم غير أننا لا نعلم
    أحمد الله أني اكتشفته قبل فوات الأوان
    شكرا لك

    Like

  3. لينة مرّت من هنا .. و تنفسَت ،

    ظننتُ لوهلة أن هذا المكان يتدرجُ إلى مقبرة ..
    فـ أن أراه يحيا مرة أخرى .. أن أرى حروفه قد بعثت من جديد .. لـ هوَ الإندهاش

    Like

  4. خالة سعاد ، كثير ، كثير ..
    نورتيني

    —-

    ملاك ، سيعجبك المسلسل إن كان يعجبك جو المسلسلات ذات الطابع الدرامي الإجتماعي ، شاكرة مرورك عزيزتي .

    —-

    أسماء ، موقفك أقوى مثال على هؤلاء ، وليس أجمل من أن يتعرف المرء على ” صادقون ” .
    سعيدة وممتنة لوجودك هنا ي رفيقة ، دائماً ماكان وجود تدوينة جديدة لكِ في الريدر حافزاً كبيراً لي لأعود هنا وأخجل من نفسي .

    —-

    نوفه ، جميل أن يكون ذلك في وقتٍ مبكر ، الفارق كبير جداً ، شاكرة لك عزيزتي .

    —-

    لينة ، ونورة قرأتكِ هنا وابتسمت ثم ابتسمت ثم ابتسمت : )

    لـ هي السعادة هذه الصديقة .

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s