مجتمع

WHAT’S UP JEDDAH *

يحكى أن هناك مدينة
طل عليها هلال العيد
فامتلأت طرقاتها زينة
لبس الكل الثوب جديد

اعتاد أن يتمتم بها كثيراً ، يحب لحنها ويتقنه جيداً رغم ضحك صديقه أحمد في كل مرة حين ينقطع نفسه في المنتصف فيجدده بقوة ويكمل وقد أرتفع صدره بفعل الهواء الجديد ” فامتلأت طرقاتها زينة “، يحب أن يغنيها مع أخته بوتيرة واحدة ، صبا ، التي لا ينافسها أحد على قلبه ، يريد أن يُهدأ من روعها الآن ، يريد أن يُهدأ من روعه هو أولاً بمعنى أصح ، شدته إليها بقوة وهي ترتجف وتتنهد تنهيداتٍ متقطعة بعد بكاءٍ طويل ، بدأ يغني .. ” يحكى أن هناك مدينة طل عليها هلال العيد فامتلأت طرقاتها زيـ .. ” يختنق بصوته وعبرته وخوفه الطفولي ، تحيط رقبته بيديها أكثر ، يرفعها له أكثر ، يغمض عينيه ، يغالب عبرته ويغالب الموج الذي يهز قدميه الصغيرتين بعنف وكأنه يتآمر مع خوفه ليسقطه في الماء الموحل ، يفتح عينيه ببطء والدمع يملأهما ، يتلفت بهلع بحثاً عن أحد ، لا أحد . يغالب غصة أخرى كادت تتغلب عليه ، يقترب بفمه من أذن صبا ، ” أششش الحين بنروح البيت ” ، ينفتح سيل بكائها مجدداً ، تضمه أكثر ، ” أششش ، تتذكري قطورة ؟ مو كنتي تحبينها ؟ “

يدافع عبرته ويغني في أذنها :

نادى بخار الماء
هيا هيا قطورة
طيييييري للسماء
للغيمة معنا مسرورة

تهدأ ، يبعدها عنه قليلاً حتى تلتقي نظراتهما ، يهز رأسه وهو يكمل الأغنية ، فتتمتم معه ببطء بين شهقاتها :

” صارت قطورة مطرة
سقطت على رأس الشجرة
نزلت قطورة حتى
وجدت قطرات شتى .. “

المكان : جامعة الملك عبدالعزيز – مبنى 420      http://www.twitter.com

أركض أو بمعنى أصح أسبح على أثر صوت الدكتورة من هنا يابنات من هنا ، فوق فوق ، وكأني أحلم ! ، كل شيء هذا الصباح كان جميلاً وطبيعاً وكما المعتاد ، لازالت أكواد الـ SQL عالقة في ذهني لم أنهِ اختباري بعد ، يا ورقتي المسكينة ماهو مصيرك الآن ، أعود لواقعي ، لجسدي المبلل حتى منتصفه بالماء لقدماي اللتان تسبحان في بهو المبنى نحو الدرج ! ، لم أتخيل أني سأسبح ذات يومٍ في هذا المبنى الذي عبرته ” مشياً ” مئات المرات ، البحر هنا إذن .
” فوق يا بنات فوق يلااا ” ، أحرك قدماي ببطء بإتجاه معاكس لتيار الماء القوي ، يداي ترفعان حقيبتي للأعلى ، أخشى أن أفقد هاتفي في الماء ، أصعد الدرج بخطوات ثقيلة حتى بدأ ينقص منسوب الماء تدريجياً مع الدرجات الأولى نحو الطابق الثاني ، هه ، غرق الطابق الأول إذن ! سقط جزء من سقف المكتبة ، التالي ؟ أنسحب من الضوضاء الممتلأة بالخوف وأصوات البنات وهواتفهن التي لا تكف عن الرنين الكل يتصل ويطمئن ، الكل يريد أبنته في البيت الكل يسب ، والأنوثة هنا تتفجر على هيئة بكاء ، أبحث عن زاوية معزولة ، أبحث عن هاتفي وسط فوضى حقيبتي

Baba Missed Call 23

” أوف ! ”
أحاول الإتصال ، أحاول ، وتكرمني الشبكة أخيراً

– وينك يا بنتي قلقت عليك صار لي ساعة أدق !

– أحنا بخير الحمد لله نقولنا للدور الثاني بس لسى ماني عارفة متى بيطلعونا من هنا البنات هنا يبكون والوضع مقرف

ندمت على عبارتي الأخيرة ، زاد توتر والدي

– كيف طيب مافي مسؤلات معاكم ؟
– إلا معانا دكتورة بس الباقين يتهربون من المسؤلية و حنا من مكان لمكان .
– أنا ماقدرت أجي يابنتي طلعت بسيارتي وقفت بنص الطريق ما قدرت أوصل لك والله .

شعرت بنبرة الخوف والحرص والأسف في صوته ، حمدت الله على نعمة الأهل
– ماعليك يبا حنا بخير أن شاء الله أنت خلك بالبيت بس يتسهل الوضع أنا بدق عليك.
– الله يحفظ يا بنتي طمنيني عليك كل شوي ولا تنزلين تحت ، لا تروحين تحت أبداً.
– أن شاء الله ، طمن أمي .

أغلقت الخط وتنهدت طويلاً ، فتحت تويتر ، تأملت أخر تويته كتبتها صباح هذا اليوم

Najla_Suliman@
morning everyone .. to DATA exam .. wish me luck : )
7hours ago via twitter for iphone

تنهدت ، مررت أصابعي على الأحرف :

Najla_Suliman@
مبنى 420 ، الدور الثاني ، أحد يقنعني أني ممكن أوصل البيت قبل الليل ؟
#JeddahRain
1minute ago via twitter for iphone

فتحت الفيس بوك لأجد حائطي ممتلأ بكتابات الأصدقاء
” نجلاء طمنينا عنك ؟ “

” صحيح أنتم لسى بالجامعة “

” كيف الوضع بجامعة عبدالعزيز يقولوا الدنيا غرقانه ، طمنينا عنك يا جولي “

” جوووووولي وييينك بالبيت ولا بالجامعة ؟ “

” نجلاء ، أنتي بخير ؟ أدق عليك مايدق جوالك شكل الشبكة تعبانة ! “

” الله يلطف فيكم يا رب ، طمنينا عنك نجلاء قلبي معاك “

أغلقت الصفحة ببرود و أسندت رأسي لركبتي بإرهاق شديد ومعلومات الداتا تسبح في عقلي بكل برود ، المشهد يشبه الحلم ورأسي المسند على ركبتي بشكل مائل يحاول ترتيب الأحداث ، عيناي تجولان في المكان ببرود
وأذناي تلتقطان مزيج كلام غير مفهوم ، و نمت ..

” بنات ياللا ع المكتبة ع المكتبة يا بنااات ”
قارب النهار على نهايته ، وقاربت شجاعتي وبرودي على النفاد
جلست على أحدى ” طاولات المكتبة ” أخرجت هاتفي ..

Najla_Suliman@
في مكتبة جامعة الملك عبدالعزيز ، أحد في بالوا كتاب يبغى يستعيره ؟ P:
#JeddahRain

Najla_Suliman@
في مكتبة الجامعة – ملجأ الجامعة حالياً – وأمامي كتاب بعنوان “مناقشة ماجستير عن النمو العمراني في مدينة جدة دراسة تطبيقية على الأحياء الحديثة في أطراف جدة ”
هههههه أحد يضحك معي ياجماعة ؟
#JeddahRain

Najla_Suliman@
راح تكون رسالة الماجستير حقتي أن شاء الله بعنوان ” كيف تحول مكتبة جامعية إلى ملجأ في دقائق ” !
#JeddahRain

Najla_Suliman@
بطارية الآيفون 10%
بالمكتبة ، مدري متى برجع البيت ، مدري إيش صاير ، مدري إيش راح يصير .
#JeddahRain

– يا ألله فيه صور تضيق الصدر مرة لطريق الملك عبدالله وطريق المدينة ! ماني مستوعبة ! شوفي شوفي

ثم أكملت وهي تمد البلاك بيري نحوي كي أتفرج :

– تتوقعين بنطلع من هنا اليوم ؟

– ما أتـ .. ما أدري

أجبتها ببرود وعيني على الصور وأصبعي يمر بحركة سريعة على زر التمرير

– شفت أغلبها بتويتر

ومددت لها البلاك بيري

– وش فيك مبردة !
– مو مبردة بس بردانه ! تعبانة مرهقة ، مانمت لأني كنت قاعدة أذاكر وتعبت من المشي بالموية الي واصلة نص أجسامنا ، بردانه مرة مو قادرة أحس برجليني !

فاجئتنا أمل تمشي نحونا وابتسامة تعلو وجهها ، يبدو أنها جاءت للتو من مجموعة كانت تضحك وتلعب الجانب الكوميدي من الموقف ، وبالفعل كما توقعت ، أنحنت أمامي بحركة مسرحية بارعة ثم رفعت وجهها وحركت جفنيها بحركة سريعة وبصوتٍ شاعري تهكمي :
سيدتي ..
سيدتي نجلاء

أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء، كالدمِ المُراق
كالجياع
كالحبّ
كالأطفالِ
كالموتى
هو المطر

ثم تغمض عينيها بحركة مسرحية حالمة

تصفيق وتصفير من مجموعة تجلس بقربنا

– الله الله ! يا عيني

– وحدة ثانية كمان

– الظاهر بنقلبها Arab’s got talent ههههههههههه .

– لأ لأ لو سمحتي JEEDAH got talent مو أتوقع مع الأشياء الرهيبة الي صارت اليوم بتطلع لنا talents ماتجي ع البال !

– والله الـ talents أتوقع بالشوارع برى ، أكيد الشباب مو مقصرين الحين .

– صادقة .

واندمجت معهم في أحاديث حاولت أن أتلهى بها عن ما نحن فيه ..

الثامنة مساءً ، متمددة على الأريكة في سكن الطالبات ، أرتجف من البرد ، ملابسي مبللة بالكامل ، أمسك بالبطانية التي وضعتها حولي إحدى طالبات السكن الطيفات اللواتي تكرمن باستضافتنا ..

– ماينفع كذا يا نجلاء قومي خوذي لك حمام دافي ، إنتي لامه البطانية عليك وملابسك كلها موية
– موب قادرة أحرك أطرافي شوي بس ..

:

يوم الخميس ، الرابعة عصراً ، عيناني تجولان بذهول في الشوارع التي نمر بها ، وصلنا البيت ، دخلت ، سلمت على أهلي وأعطيتهم كلمات مختصرة لم تشبع فضولهم

– عن أذنكم تعبانة محتاجة أخذ حمام وأنام ، وبقفل جوالي ..

نمت ، وفي ذهني ألف سؤال وسؤال  ، كلمات وأفكار تتداخل مع بعضها البعض
ليش ، كيف ، مين مات ؟ ، معقول ! طيب أمس ،  البنات ، الجامعة ، اختبار الداتا ، المكتبة ، تويتر ، السكن ، المطر … الـ ..  النوم .

المكان : مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي

– آلاء الطواريء مليانة تتوقعي راح يطلبونا ؟
– أكيد

أمشي في أروقة المستشفى بثقة طالبة السنة السادسة في كلية الطب ، أوزع العبارة المطمئنة

” تطمني يا خالة مافي حاجة مافي عمليات راح تتأجل ولا حاجة “

” لا كل شيء بخير والدكتور أن شاء الله حـ يمرك بالراوند بعد شوي “

لكني بكل ارتباك طالبة السنة السادسة أتحرك بتوتر أثر نداء سارة بصوتها العالي من آخر الممر حين رأتني أتكيء على إحدى الكاونترات أملأ سجل إحد المرضى بهدوء :

– آلاء ! أنتي هنا تعالي الطواريء مسوين Page لطلاب سادس محتاجيننا هناك بسرعة !

أكلمت الملف الذي بين يدي بسرعة ، تبعت سارة ركضاً نحو الطواريء

:

السادسة مساءً ، الأرهاق يلفنا ، مترامين في غرفة الطالبات في المستشفى اشبه بالمرضى ، هواتفنا لا تقف من إتصالات البيت  والبرودكاستات التي تطلعنا على مناظر الشوارع بالخارج ، الباب يفتح كل دقيقة ، أحدهم يطلب شاحن ، أخرى تدخل منهكة حد النخاع وهي تهذي بشكلٍ كوميدي ” جوعاااانة يا جماعة صار لي 6 ساعات واقفة ” ثم تنصرف مع نفسها بحثاً عن شيءِ تأكله ، أخرى تدخل ، ” خلاااااص احد يروح يا خذ مكاني بالله شويه مو قادرة “

– تصدقي آلاء لسى بينقلوا ناس إخلاء طبي بالطيارات ، الأخصائيين لسى فالسطح يستقبلوا الحالات
– أممما ! يعني جو Grey’s Anatomy ! أبغى أرقى فووق .
–  هذا وقتك أنتي يا geek الـ Grey’s Anatomy تبعك هادا -_-
– الفرصة لا تولد مرتين يا سيتي ، هو الواحد كم مرة بيشهد Disaster زي كذا في حياته المهنية الطبية ؟ ، فـ أنتي  As a Doctor مفروض تستغلي الفرص هادي و ..
– صح صح صح روحي عني لا الحين أسوي لك فيضانت وسيول هنا !
–  it’s up to you قلتها وأنا أرفع أحدى حاجبي بخبث ثم أكملت وأنا أبتعد قليلاً : loser lady 😛

أعطتني نظرة يأس مني وأشاحت بوجهها حتى أنصرف أنا و حسي الكوميدي الذي هبط فجأة ورفع الضغط في جسدها في الوقت ذاته
مشيت خطوات ثم توقفت فجأة و استدرت :

– but , as a doctor , I think …

– آلااااااااااااااااااااااااء out out out out

– ههههههههههههههههههههههه

مشيت نحو الطواريء وبيدي مجهود معبأ أريد أفراغه هناك وداخلي يغني

” let’s go , let’s do it “

أخذت وقتاً وجهداً ومررت بالعديد من المشاهد السينمائية التي تتساقط فيها مربعات صغيرة من السقف أو تتمايل بلاطة تحت قدمك فجاة فيختل توازنك للحظة ، أو إضاءة تنطفأ أمامك بلا سابق إنذار لتكمل الممر معتمداً على حدسك !

في الطواريء أنهمكت تماماً ونسيت الوقت والحدث ، نسيت حديثي وضحكي قبل قليل ، نسيت Grey’s Anatomy ، نسيت الصور التي رأيتها في تويتر قبل قليل ، نسيت أني سأبيت هنا الليلة ، نسيت أني جائعة ، نسيت أني لم أنم منذ أمس ، كل ما أذكره أني طبيبة ، و انهمكت .

ـــــــــــــــــــ

* WHAT’S UP JEDDAH  أسم مجلة تصدر من جدة ، تهتم بكل الأحداث الجارية في جدة وتفاصيل الـ life style هناك من أسواق ومطاعم وأحداث فنية وثقافية وغيرها ، أستخدمته هنا من باب السخرية .

5 thoughts on “WHAT’S UP JEDDAH *

  1. لا أصدق أن نورة عادت للتدوين بعد كل هذا الانقطاع!

    باسمي، ونيابة عن باقي المدونين، لن نسمح بتكرار كل هذا التأخير مرة أخرى أبداً.

    وجبة أدبية دسمة جداً، كما عهدنا منكِ. أعجبتني القصص الثلاثة، وأحببت الأولى تحديداً أكثر من أخواتها، انسجمت مع الوصف الذي تتقنين حياكته كثيراً.

    كان الله في عون أهل جدة.

    بانتظار تدوينة كل أسبوع على الأكثر!

    Like

  2. ياه يا نورة! يااااه!
    يا “ليدي” التفاصيل أنتِ!
    الصور زخمة بالتفاصيل هنا، تفاصيل شهدتُها/سمعتُها، وأخرى أستطيع بسهولة تخيل حدوثها..
    سلوى لقلمي الأخرس المعذّب بخرسي أنكِ كتبتِ..كتبتِ عن الوجع الذي كلما فتحت صفحة بيضاء لأكتبه اسودت الدنيا أمامي فهربت!
    سلوى يا صديقتي “نورة” -مو “سلوى” 😛
    ()

    ووووو
    لاحظتْ إنو هاديك البنت إللي سنة سادس جدا مفرفشة ولا ع بالها! مدري مين نقلّك هالصورة المفرفشة عن بنات طب سادس!
    XD
    أبشرك قعدت على هذا الحال كعادتي عند الصدمة الأولى إلى أن رجعت بيتنا تاني يوم، نمت، قمت واتأكدت إنو حولين بيتنا ناشف، وبعدين انهمرت و انهرت
    ><"

    Like

  3. اهلاً اهلاً بنوره 
    ايش العودة الجميله هذي
    الله يصبر اهل جده 
    و ان شاء ما تكون هذي الحاله سنويه
    *قطع قلبي الولد و اخته  

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s