مجتمع

أنا أفكر ، أعبر ، إذن أنا موجود

قبل قليل كنت أتشاور مع أحداهن حول ما إذا كانت ستزيل الباسوورد عن أحدى تدويناتها وتجعلها مقروءة للجميع ، حسناً يصعب علي أبداء رأيي بشيء كهذا ، لأني أجدني بين مفترق طرق من التوقعات التي ستجبرني على أن أعطيها رأياً لست مقتنعة به تماماً ، لم يكن صادراً عن قناعة شخصية بقدر ماكان مرتبطاً بتخوفٍ من ردود أفعال قد تأتيها من بعض الذين يقرأون ويفسرون كل مايقرأونه بحسب مقاييس الأشياء في عقولهم ، وأعني بهم ، أولئك الذين يوجهون أصابع الإتهام لكاتب الحروف ويلبسونه بها ويكادون يُقسمون أنها تخص جزءاً من حياته ! ، أما إذا كانت الكاتبة أنثى فإن القاريء الفهيم أعلاه سيتمنى لو كان يمتلك عشرين أصبعاً بدلاً من عشرة حتى يوجهها بالإتهام لتلك الفتاة لحرفٍ كتبته ! ، بينما قد يجد ماكُتب مقطوعة أدبية رائعة تستحق النقد والإلتفات والمناقشة إن كانت قد صدرت من قلمٍ ذكر ! ، لذلك لا ألومها حين وضعت كلمة مرور على التدوينة حتى تُدخل إليها العقول التي تثق بها كما تقول، لأنها تعلم أن الردود قد تتحول لساحة حرب لا نتيجة من ورائها ! .

لا أعرف متى نصل لمرحلة نناقش فيها ماكُتب بغض النظر عن من كتبه ذكراً كان أو أنثى وبدون أن ننصب أنفسنا علماء نفسٍ لنحلل حياة من كتب هذه الحروف ثم ينتهي بنا المطاف بعد دقائق من القراءة بأن نحكم عليه إما بالسوء والفسق أو بالروعة والإعجاب ! ، وكأنه طلب منا قراءة حياته لا قراءة حروفه ، وهذا بإعتقادي من أكبر الأسباب التي تجعل الكثيرين يعزفون عن التدوين بأسمائهم الصريحة خشيةً من بعض العقول التي يتجمع تفكيرها في جهة واحدة .

وأنا هنا لا أدعوا لحرية مطلقة وإنما لحرية لاتعني غياب الإلتزام بحدود الأدب لكنها لاتُغيب العقل لمجرد وجود معارضٍ له ! ،حرية تكفل لنا جميعاً بفهم بعضنا البعض من خلال مانكتبه ، في النهاية نحن عالم واحد ، لن تتقدم فيه الأمور للأفضل إن استمرينا بتضييع الوقت على نظريات ماوراء الأسطر ، لن نتقدم مالم نقرأ الأفكار القادمة من اتجاه آخر غير الإتجاه الذي نسير نحوه ، لنتخيل أنفسنا نسير بإتجاه وتسير بجوارنا  بعض الأفكار بذات الإتجاه وفي المقابل تواجهنا الكثير من الأفكار المضادة ، سيكون من الغباء أن نغمض أعيننا عنها وكأنها لا تعنينا لمجرد أن الشخص لذي حملها لا يعجبنا ! ، كيف سنطور أفكارنا إن لم نطلع على مايناقضها ، لن نفهم الشيء من طرف واحد ووجهة واحدة ، كيف كنا سنعرف أن الماء والزيت لا يجتمعان لو لم نقم بتجربة جمعهم ؟ ، جرب أن تسكب الماء والزيت في عقلك ثم قرر بعدها أي الإثنين أنسب لك وأنت لن تعرف ذلك بالمناسبة إن وضعت الماء وحده أو وضعت الزيت وحده !

بالإضافة إلى أننا سنضع أنفسنا في متاهة إن جعلنا تقبلنا للفكرة من عدمه شيئاً مطاطياً يعتمد على ما إن كان مصدر الفكرة ذكراً أو أنثى ! ، الفكرة أنثى والحرف ذكر وكلامها إن اجتمعا ينجبان شيئاً يمكن أن نسميه ” كلام – حديث – رأي” وكلها ذكور أو ” تدوينة – خاطرة – مقالة – قصة ” وكلها إناث ! وفي النهاية المضمون هو ذاته ! ، فلماذا نصعب على انفسنا تلقي الفكرة أو الكلام ونضع في عقولنا تصنيفاتٍ لا تعتمد إلا على أشياء وهمية .

نعم المرأة تكتب الفكرة بشكلٍ مغاير عن الرجل والرجل يكتبها بشكلٍ مغاير أيضاً ، لكن الفكرة لا تقبل أن نراها من جانب واحد دون الآخر ، تحب أن نقرأها من عقل انثوي ومن عقل ذكوري ثم نتركها تحتل مكاناً في أذهاننا حسب إقتناعنا بها لا حسب من صدرت منه ، بمعنى أنه من الظلم أن تجد نفسها في منطقة مظلمة ومغضوبٍ عليها في عقولنا بينما نصفها الآخر والذي خرج من جنسٍ آخر قد حظي بالإعجاب والتصفيق ! ، ستتفق مع نصفها الآخر على الوقوف في منطقة وسط بين الرفض والقبول ثم تضيع في دهاليز عقولنا دون فائدة تذكر فنبقى نحن كما نحن وكأن شيئاً لم يدخل وكأن أحدهم حجب الفكرة عنا فقررنا تناسيها بدلاً من البحث عن رأينا فيها مجدداً فنقع  في منطقة تجعلنا بانتظار موجٍ يدفعنا للإتجاه الذي يرغب به مادامت قوانا ضعيفة وعقولنا مغيبة ، ودون أن نشعر نجد أنفسنا نعود مجدداً لدوامة مع أو ضد فنكون مع الموج الذي جرفنا وضد الموجة التي لم يحالفها الحظ بأخذنا وبين هذا وذاك يستمر إنقسام الأشياء وضياعها .

ياأحبتي ، لم يخلق الله رؤوسنا في الأعلى عبثاً  ..

لنتشارك بكل مانراه يرتقي بعقولنا و لنثبت أننا ذكوراً كنا أو إناثاً نمتلك القدرة على إيصال مفاهيم الحياة كلٌ من رؤيته التي ميزه الله بها ، فجميلة هي المرأة حين تسرد الحكاية بنظرةٍ أنثوية ، ورائع هو الرجل حين يقص الحدث بعقلٍ ذكوري ، وليس أجمل من أن تصلنا الفكرة ملونة بكلا اللونين .

:

:

يقول الأستاذ محمد الرطيان :

الحوار – كما أراه وأؤمن به – هو أن تأتي فكرتي لكي تتلاقح مع فكرتك ، لكي تولد فكرة ثالثة ، فكرة أروع ، خالية من عيوب الفكرتين ، فكرة نتشارك بالإيمان بها والدفاع عنها .

9 thoughts on “أنا أفكر ، أعبر ، إذن أنا موجود

  1. أنت تتحدثين عما يُعرَف ثقافيًا بالقراءة الإسقاطية و معروف عن هذه النوعية من القراءة أنها لا تحترم جمال النص و روعته إنما تنتقل إلى تحليل شخصية الكاتب و محاولة إسقاط ما في النص على ظروف الكاتب .
    للأسف يا نورة يوجد الكثير ممن ينتهج هذا الأسلوب في قراءة أي نص أو تعليق , فأول ما يتبادر إلى أذهانهم هو كاتب الكلام وكيف يمكن إسقاط معاني الكلام المكتوب للحكم على شخصية و توجه الكاتب .

    Like

  2. 🙂
    الكلام النظري جميل ، وفي الآخر آراء الإنسان تكونها ثقافته والتي تتكون من موروثاته ومكتسباته وبيئته ونظرتهم لشتى المواضيع ..
    مهما اختلف الإنسان يميناً أو شمالاً فهو ابن مجتمعه في نهاية المطاف .

    Like

  3. نورة نورة نورة
    أصفق لك وبحرارة..
    كتبتي بعض مما يجول في خاطري
    في آخر مره أرسلت شفرة لتدوينتي لبعض الأصدقاء كتبت: لست خائفه ممن سيمر على نصوصي ولكني أؤمن بأن حروفي محرمة على البعض.. وختمتها بوردة لعقولهم الناضجه.
    المشكلة لاتكمن في مخالفة الرأي بل في الأسلوب الوقح الذي يأتي ويعصف بكل ماهو جميل في مساحاتنا الخاصة..
    ذات مره كتبت يومية بسيطة جديدة وتفاجأت برد ينادي بصوت جهادي: وأي جيل ستربين يا…………….! – أترك لك ملئ الفراغ بكل مالذ وطاب من السب والشتائم.أصبت برعب فأنا لم يمضي على عيد ميلادي ال21 الكثير وهو يحملني مسئولية جيل بأكمله!
    العالم ملئ بالرؤس الفارغة والأفكار المتعسفة دعينا فقط نسكتهم بأي الطرق حتى لو كان حماية نصوصنا بشفرة إلا لمن نحب..
    ؛
    رائعة يانورة

    Like

  4. كلام جميل أختي نورة .. أعجبني كلا اللونين !

    ورضا الناس غاية لا تدركـ .. أظن أن ليس على صديقتكـ أن لاتخشى من أن تسئ مجموعة ما فهمها .. فهي بإمكانها وضع خاصية الموافقة قبل النشر .. وبذلكـ تكون أراحت نفسها من التعليق عليهم .. كما أنها ستسمح بأفكارها للانتقال إلى أكبر شريحة .. وستتعرف لى اصحاب عقول أخر !

    Like

  5. اعجبني ذلك يانورة بوركت:)
    تختلف الأراء ولكن لابد من إيجاد آليه مشتركة تحتويها وتخرج منها شكلاً مقبولاً وممتناغماً بشتى الالوان والاطياف..
    غالباً اصحاب الرأي الصحيح لايخافون ان تظهرآرائهم للناس ويجرؤون على عرضها وان سببت نقاشاً محتدماً يسئ للكاتب فتلك تبقى مشكلة القارئ في التلقي والاستيعاب لذلك صفحة النقاش تفتح مجال للتفاهم والضبط..

    Like

  6. الإختلاف حول الفكرة حين يختلف صاحبها ظاهرة طاغية هنا إلى حد كبير.

    أظن أن علينا أن نعامل النص وكأنه ابن كاتبه دون تحميله وزر أفعاله.
    الكتابة الأدبية تتعرض لأقسى أنواع الهجوم حين يجعل النص جزءا مقتطعا من حياة المؤلف بكل مافيه من مجازات وكنايات وصواب وأخطاء،كما أنها تتعرض لهجوم أقوى عندما ينسى الكاتب تماما.
    الاتزان هو مانحتاجه للسير على الحبل الذي يعلقه الكاتب بين دفتي كتابه وبين الإهداء والخاتمة.

    المرأة حين تكتب فإنها تنطلق من ذات الخلفية التي ينتمي إليها الرجل لكن عينيها “مختلفة”.

    Like

  7. جميل يانورة ..
    بصراحة لا أحب الأحكام المسبقة ولا اللاحقة .. لا أحب ان أحكم .. على شخص من خلال ما كتب .. ابل استفيد مماكتب وإن لم أجد استفادة .. أتابع سيري إلى واحة أخرى وهكذا.. متى تستيقظ العقول لأهمية التفاعل الإيجابي وتلاقح الأفكار بدلاً من تناحرها ؟

    هل لنا أن نحصل على حق الدخول إلى ذلك الباب المغلق ؟
    وشكراً لك

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s