كتبت

تذكِرةٌ كاذبة

لم أشعر أني سافرت فعلاً ، للأسف لم أكتشف ذلك ألا مؤخراً حين قاربت على العودة ، أكتشفت أني حين كنت أحزم أمتعتي كانت الهموم تندس بينها كجزيئات هواء لئيمة خالية من الأكسجين ، مليئة بثاني أكسيد الكربون ، وبمجرد أن فتحت حقيبتي هناك ، تسابقت الهموم هاربة من الحقيبة ملتصقة بي ! وأنا التي لمحت الأمل في بياض السحب التي التصقت بشباك مقعدي في الطائرة ،كدت أسترسل في جوابي للمضيفة حين سألتني إن كنت أريد شيئاً :

– كوب ماء لو سمحتي .. وبسرعة .. هناك بذرة أمل صغيرة أريد أن أسقيها علها تنمو بمجرد وصولنا ..

لكن أجبت بكلمة واحدة :

– ماء .

أكثر الأشياء إيلاماً أن تكون في مكان آخر جسدياً ، مكان جدير بأن يخلق لك جواً رائعاً لولا أن مابداخلك يجعل كل حركة تبدو مصطنعة وكل ابتسامة تبدو باهتة باردة وكل أندهاش يبدو مجاراة لمن أدهشهم الأمر حولك .. ببساطة أن تشعر أنك أنت نفسك الذي كنت في منزلك بالأمس ، رغم تبدل الهواء وتبدل المكان .

لم تفارقني تلك الجزيئات اللئيمة حتى حين وقفت لمدة طويلة اتنفس الهواء الرطب وأبصر المدى الأزرق عله يفك ذلك الأختناق ، ولكن  دون جدوى ،  أشياء أكبر من أن تنفك عني نحو ملوحة البحر فتعطي الأكسجين فرصة ، أشياء تعلم أني لا أنفك أفكر بها ! ، لاتلبث أن تثبت أنتصارها علي كل مساء حين أضع رأسي على الوسادة فأسمع ثرثرة أختي في الهاتف  لصديقتها عن المكان الذي كنا فيه قبل قليل  ، التفت إليها ، أغمض عيني ، أحاول تذكر ماتقوله ، أفتح عيني برعب مشوبٍ بالحزن لأني ببساطة لا أذكر أني شاهدت ماتقوله ، أو بمعنى آخر ربما شاهدته لكن لا أذكر أني أستمتعت به كما تصفه هي ، أذكر أن المكان كان مزدحماً الأصوات كثيرة ومختلطة ، كان هناك أغنية أحبها اذكر مناظر كثيرة بدون إحساس ، أكان المكان جميلاً إلى هذا الحد ؟ الهذه الدرجة كنت أتواجد هناك شكلياً ليس إلا ! أغمض عيني وأدس وجهي في الوسادة هروباً من التصديق ، وفي كل صباح أستيقظ وأنسى لوهلة أين أنا !
قاربنا على العودة ولا زلت كل صباح أظن أني في غرفتي !

ماكان ينبغي أن أسافر معكم ، سامحك الله يا أمي ، ما ضر لو بَقِيتُ في الرياض ، على الأقل سأعيش بشكلٍ طبيعي ، لن أحتاج لثوانٍ كل صباح أفسر فيها لنفسي أين أنا ، لن يكون هناك مكان لم أره كما يراه الآخرون ، فكل الأماكن مألوفة ، كل الأحداث روتينية تحدث كل يوم ، كل الأشياء منطقية بالنسبة لي ..
هل كنت أشاهد أفلاماً كوميدية كثيرة وقتها لأنسى ، أم لأن الكوميديا تجعلني أعود لطبيعتي لدقائق حين أضحك ؟
– أحد يناظر أفلام وهو مسافر ! .. الناس تطلع .. تتمشى ..
– أدري ..
أدري ، ورب البيت ” أدري” كيف يجب أن يكون السفر ، لكني تركيبة عجيبة هذه الأيام وكتلة روتين لم تأبه بتغير المكان !

لا أدري كيف مر ذلك المساء الغريب حين التقيت بخلود في مقهى “سيراميك ” ، لقاء غير متوقع جاء محض صدفة تواجدنا في المكان ذاته ، أعلم أن اللقاء لم يكن كما يجب لأني ماكنت أنا وقتها ، كنت لازلت أعيش حالة التأمل الصامت في الأشياء لذلك دهشتي لم تسعفني لأخبركِ أني استمتعت كثيراً بذلك اللقاء أكثر من استمتاعي بقطعة الـ” تشيز كيك ”  التي كنت ألتهمها ذلك الوقت وأنا أسمع ثرثرتك الجميلة ، أتعلمين ، ذلك المساء كنت أضع أصابعي في فمي محاولة عمل ” تصفيرة ” كتلك التي تفعلينها ولم أنجح ، استلقيت وأنا اضحك على ” بابا رحت ولا لسى ! ” واتخيل شكلك وانتِ تركضين وتكادين تتعثرين بملابسك !

ربما ذلك اليوم أحسست بشيء مختلف أفضل ، شيءٍ سريع وجميل .. لكن الأيام التالية كانت تشبه ماقبلها ، السفر بدون رغبة يشبه السكن بغرفة جميلة جداً لكنها لاتدل على شخصيتك ، فلا أنت استمتعت بجمال الغرفة ولا أنت وجدت نفسك فيها ..
أفرغت حقيبتي بيأس على سريري وانا مستسلمة تماماً لتلك الجزيئات اللئيمة لتلتصق بي مرة أخرى بعد أن سافرت معي واستمتعت ، وكما توقعت لم يكن هناك هواء بحري بين طيات الملابس ، لم يكن هناك أكسجين دافئ ، لم يكن هناك سوى جزيئاتي الملتصقة !
أخرجت قميصي الذي اشتريته من محلٍ يبيع قمصاناً جميلة بـعبارات عربية ذات تصميم جميل ، أذكر أني أطلت التأمل في المحل لحيرتي بين العبارات وأيها سأختار، لبست القميص الذي كتب عليه بخطٍ جميل من الأسفل .. ” الحرية ” ..
تنفست بعمق ، مرة أخرى سأسافر بدون حقيبة ، لعلي أسافر فعلاً .. بشكلٍ منطقي .

:

:

* الصورة لـ ريما

16 thoughts on “تذكِرةٌ كاذبة

  1. لا أعلم نورة .. لا أعلم لمَ شعرت بقبضة تشد على قلبي حين قرأت هذا
    هل ما كتبته حزين !
    أم أني أنفض رداء الحزن عليه ثم أقرأ !

    لا أعلم نورة .. حقا لا أعلم

    Like

  2. في كل تدوينة أقول ها هي نورة بلغت القمة في إبداعها وستعجز عن إبهاري بعد الآن. وفي كل تدوينة أقول أني أحمق حين ظننت مثل ذلك سابقاً!

    ما أعجب الصورة والحروف هنا كيف نفثت سحرها إلي فجعلتني رفيق سفرك وأحاسيسك، فكأني أعرفك منذ أبد بعيد وأفهم كل ما تشعرين به.

    أتساءل مالذي جعلك شاردة وغير منسجمة مع المكان؟ هل هي رغبتك الأصلية بالبقاء وعدم السفر؟

    Like

  3. لماذا حملت قلبك معك؟ السفر رحلة لشيءوااحد.. لا لاثنين !
    جميلة كلامتك راقتني ولامست لواعج قلبي؛)

    Like

  4. لا .. رتبيها و أغلقيها بإحكام .. أوصليها لباب المنزل استعداداً للسفر .. حقيبتك ، حتى اذا ما همّ الجميع بالركوب دعيها واذهبي ، لعل جزيئاتك تستقر فيها و تدعك تعيشين لحظات السفر كما يجب 😦

    جميل ما كتبتي يا نورة .. جميل جداً

    Like

  5. يـــاه يا نورة..
    ياه!
    سافرت أنا أيضاً وظننت أنني تركت كل شيء هنا، وأنني سأعود وقد اختفى! هه..كنت من السذاجة بمكان لأظن أن تغيير مكاني سيجعل همومي بطريقة ما تتلاشى!
    وبالأمس فقط جعلتني إحدى القريبات من القلب أدرك أنني سافرت بكل “عفشي” وعدت به أيضاً..

    لا أظنني كنت سأعبر عن نفسي بشكل أفضل مما عبرتِ..

    تعرفين؟!
    أحلام مستغانمي تقول: “أحياناً أحب استسلامي، يمنحني فرصة تأمل العالم دون جهد..وكأنني لست معنية به!”
    وبرغم فارق التشبيه هنا، لكنني اكتشفت أننا وإن سافرنا بكل أثقالنا القلبية، يبقى السفر فرصة “للتأمل”..
    السفر ليس دائماً “خرجة وبسطة وهيصة”؛ و..صدقيني، يجوز جداً أن نسافر ولا نتصرف كسياح أو نقدّر “اختلاف” الأماكن وجمالها حولنا..
    يكفينا؛ أن نتأمل..

    و بعدين يختي خلاص! لا عاد تسوي أشياءات تشبهني 😛

    وشسمو؛
    بلوزة “الحرية” شفتها وحبيتها، بس ناوية أشتري وحدة تانية جديدة ^^

    Like

  6. آآآه يانورة
    كل هذا بقلبك عندما التقينا ولست أرى سوى الضحك منكِ وأظنك سعيدة!
    ..
    لا أعلم ما أقول ياصديقة
    في هذه اللحظات تتساقط الأحرف الواحد تلو الآخر
    فقط أريد أن تلتقي أعيننا لأشد على يديك وأقول: ابتسمي:)
    ..
    نورة المرة الجاية بعلمك عالتصفيرة بس مو بكوفي عشان الفضايح P:

    Like

  7. ،،، :

    أسمكِ جميل فلم تستبدلينه بالفواصل يا آنسة : )
    أقرأيه كما تشائين ، فهو أنا ببساطة : )

    ـــ

    أحدهم :

    أتساءل مالذي جعلك شاردة وغير منسجمة مع المكان؟ هل هي رغبتك الأصلية بالبقاء وعدم السفر؟

    سؤالك أكبر من مقدرتي على صف الحروف لأجيب عليه ، سؤالك يشبه الأسئلة التي نجيب عليها بإبتسامة ، بطرق الأصابع بهدوء وبطء على الطاولة ، بتحريك الملعقة في صحن فارغ والعبث ببقايا الحلوى ، لكننا أبداً لا نجيب عليها بالكلام لأنه لا يوصِل ! ، ربما سؤال الآء في الرد الذي بعدك مباشرة يصلح أن يكون جواباً،كان يجب أن أعمل بنصيحتها ، لكنها جاءت متأخرة !

    ـــ

    آلاء :

    خليها على ربك : )
    شرفتني أطلالتك هنا يا طيبة.

    ـــ

    عبدالرحمن :

    أتظن ؟ .. فكرة ليست سيئة مطلقاً : )
    شرفني تواجدك .

    ـــ

    آلاء :

    تأمل ، نعم ، هذا ماكنت أمارسه طوال تلك السفرة ، تأمل وإن كان بطيء الإستيعاب ، وإن كان معزولاً بعض الشيء لكنه يبقى تأملاً ..
    لو أن الألم حسي كالأمتعة لوضعته في حقيبة مهذبة وتعمدت اسقاطها من كتفي في المطار ، حقيبة مليئة بالألم لمن يريدها هدية ، نسيها صاحبها ذات رحلة !
    سعيدة بك دائماً وأبداً يا آلاء .

    ـــ

    العازفة :

    (F)

    : )

    Like

  8. مقطوعة أدبية لذيذة .. رائعة !
    رغم احتوائها على برود ذهني .. و شرود فكري .. فهي رائعة !

    للتو انتهيت من قراءة إحدى الكتب التي يتحدث فيها الكاتب عن يومياته ..
    تختلف طريقة الكتابة هنا و هناك .. و لكنها في ذات الوقت مسلية ..

    اهتمامك بشرح التفاصيل و التدقيق بين الأحاسيس ميزك ..
    كما ميز كاتب الكتاب لفت نظري إلى أشياء لم أشعر بأهميتها ..

    لعل مدخلي هذا يشفع لي أن أقتبس لك شيئاً استفدت منه في الكتاب، و أعجبني:
    “دعني أخبرك بشيء، إن أكبر خيبة أمل تشعر بها عندما تكبر في
    السن هي افتقادك إلى الأشياء التي لم تكن تستمتع بها عندما كانت
    تحدث معك، ولو استخرجت كلمة خيبة من القاموس فذلك ما تعنيه”. من كتاب [ لماذا تعتقد زوجتي أنني أحمق ؟!!]

    Like

  9. “السفر بدون رغبة يشبه السكن بغرفة جميلة جداً لكنها لاتدل على شخصيتك ، فلا أنت استمتعت بجمال الغرفة ولا أنت وجدت نفسك فيها ..”

    في الصميم ()

    Like

  10. :

    هذا العام سافرت برغبةٍ من الآخرين
    رغبتي اختفت تماماً
    كانت أسوأ رحلة بالنسبة لي
    لم أتحدث عنها أبداً
    وحين قرأتكِ هنا
    عرفت معنى أن يكتب آخر عوضاً عنا
    ونتنهد لأن الحِمَل قد قلّ داخلنا .

    Like

  11. مساء الخير، مررت هنا على محض الصدفه أثناء بحثي لبعض المواقع في محرك البحث ، مدونة جميله ورائعه وطرح جميل ورائع في الإسلوب إستمتعت كثيرا هنا وعلى أمل القدوم مره أخرى والمتابعه لهذه المدونه تقبلو تحيتي.

    Like

  12. وجدت نفسي هنا كثيراً
    أكثر مما تتصورين وكأني أنا من كتبتُ هذا الكلام 🙂

    لكي أن تتخيلي أني طبعت هذة التدوينة بالذات
    لاحظرها معي كل صباحاً للجامعة واقرأها كلما سمحت لي الفرصة
    وفي كل مرة أشعر باني اقرأها لاول مرة 😀
    هي انا بكل بساطة كما قلتِ أنتِ تماماً

    شكراً نورة (F)

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s